الاب جورج جبلي PDF Imprimer Envoyer

الجمعية البولسية تفقد أحد أعمدتها

الاب جورج جبلي


الأب سميح رعد

أكتب عن الأب جورج جبلي، كمن يحاول أن يستحضر عينين هاربتين في المطلق. فكيف أستطيع أنا الكاهن الشاب أن أكتب عن كاهن عتيق، وطعم كلماته أطيب من خمرة معتقة في خوابي جمعيتنا البولسية الحبيبة؟ كيف لي أن أستعيد نظراتٍ مجبولة بالأبوة الكهنوتية الصادقة والقلب المحب المضياف؟

الكلمات لا يمكنها أن تعصاني، ولكني أتهيب أن أستعين بجزء منها، وشهادة حياتكَ، يا أبتِ الجبلي، أمامي كانت تعبّر بجزئياتها عن الكل.

أتذكر من لقاءاتنا ذكريات طيبة...

يوم كنتُ يافعًا في إكليريكية القديسة حنَّة في الربوة، وأنتقل صباح كل يوم مع كوكبة الشبان الطلاب الإكليريكيين إلى المعهد البولسي للدرس، صباح كل يوم كنت أراه، وكنت وإياه غالبًا كمن على موعد، وكان ملقانا على باب الكنيسة الصغيرة، أنا داخل وهو خارج، أو أمام إبريق الماء في الممر الداخلي في زاوية المعهد المطلة على بيروت. وكان تصبيحي له متعة، والحديث القصير كان يشبه "حبة ملبَّس" صباحية طيبة.

حين كنت أدخل إلى مكتبه، كنت أرى فيه التواضع متجليًّا... لا زخارف ولا تألق... بسيط كبساطة الحياة الكهنوتية البولسية.

أمَّا بخصوص مظهره، فقد كان يجمع دائمًا بين الأناقة والبساطة، لا بل بين الحداثة والتواضع. بدلة وربطة عنق بألوان زاهية وصليب على صدره. مزيج من بساطة ثياب المرسلين وحداثة الكنيسة بعد المجمع الفاتيكاني الثاني.

لا أنسى حينما تزوج أحد أبناء رعيتي في بازليك القديس بولس، وحضرت للمشاركة، كيف طلب مني أن أرأس الإكليل، فرفضت احترامًا لأقدميته علي... ولكنه أبى إلا وأن أقرأ الإنجيل وأعظ...  "أنت معلم في المعهد يا أبونا سميح، أطربنا بعظة اليوم." وكنت أقول في نفسي كم أنت متواضع ومحبٌّ يا أبانا جبلي.

آخر مرّة رأيته، كانت في تموز الماضي، حينما أتيت لأزور الدير وأطمئن على الآباء والإخوة، رأيت كيف حفر العمر في وجهه جمالاً، وزادت عندي الرهبة أمامه. تبادلنا الحديث، حول فنجان قهوة، بيده الجريدة، والكلام كان كنيسة المهجر وأحلامها وهمومها، وعن الوطن  وهموم الحياة والمعيشة وأثقال الناس.

يا أبانا الريس، غادرتنا إلى المطلق، إلى الأخدار السماوية لملاقاة الكاهن الأعظم يسوع المسيح. أشهد أنك أمامي حافظت على الوزنات، لا بل تراكمتْ أضعافًا أضعافًا على يديك... على يقين أنه سيرتبك حيث نور الحياة.

أنت كاهن من الأرومة البولسية العتيقة، من جيل المثلث الرحمات مرشدي ومعلمي المطران يوحنا منصور، ومن جيل الخدام الأمناء جيل الأخ روفائيل...

بموتك تفقد كنيستنا والجمعية البولسية عمودًا من أعمدتها الكبار.

ليكن ذكرك مؤبدًا!

 
 

Divers