مفهوم الصَّليب في المسيحيّة PDF Imprimer Envoyer

مفهوم الصَّليب في المسيحيّة

من رسالة غبطة أبينا

البطريرك غريغوريوس الثالث

"أنا مصلوبٌ مع المسيح" (غلاطية 20:2)

لصوم 2009

المسيح غيَّرَ مفهوم الصَّليب. والمسيحيّة قَلَبَتْ المَقولة: "مَلعونٌ كُلُّ مَن عُلِّقَ على خشبة"، بمقولة: محبّة الصَّليب والمَصلوب، ومحبّة الإنسان المَصلوب، المُعذَّب، المُجرَّب، الفقير، اليائس، والخاطئ...

ونَسمَع بهذا المعنى في صلواتِنا الطَّقسيّة نشيدٌ لقدِّيسةٍ شهيدة: "نَعجَتُكَ يا يسوع، تَصرُخُ بصوتٍ عظيم: يا عروسي أنا أصبو إليك، وأُجاهدُ في سبيلك، وأُصلَبُ، وأُدفَنُ مَعَكَ في معموديَّتِكَ. وأتألَّمُ من أجلِكَ، لأملِكَ مَعَكَ. وأَموتُ في سبيلِكَ، لأَحيا فيكَ. فَتقبَّلْ كَذبيحةٍ لا عَيبَ فيها، مَن قرَّبَت لكَ ذاتها، حُبّاً لَكَ".

وهكذا غَيَّرَت المسيحيّة واقعَ الصَّليب إلى قيامةٍ وحياةٍ جديدةٍ بالنِّعمة! وسرورٍ وأملٍ ورجاء... لا بل أصبحَ الصَّليب رمزَها وعلمَها، وفخرَ الكنيسة، وعلامةَ انتصارها على الشَّرّ والخطيئة. ولذا يرتفع الصَّليبُ على قباب الكنائس وداخلها، وهو الزِّينةُ الكُبرى، في هندسة الكنائس وبنائها ورموزها في الدَّاخل.

ولكن الصَّليب لا ينفصلُ أبداً عن القيامة. وينظر المؤمن إلى أبعد من الصَّليب، إلى ما بعد الصَّليب، إلى المسيح المَصلوب عليه، والقائم من بين الأموات، والمُنتصِر على الخطيئة، وعلى الألم، وعلى عذاب الصَّليب، وعلى الموت...

وهذا هو معنى النُّزول الحقيقي عن الصَّليب، وذلك بأن يتحوَّل الصَّليب بالرّغم من وجوده وواقعهِ الأليم وعُمقِ جراحِه. وعندما يُمكنكَ أن تُنزِل إنساناً مُتألِّماً عن الصَّليب، إذ ذاك يؤمن العالم بأنَّ الخلاص مُمكن، وأنَّ الصَّليب ليس عاراً، وليس آخرَ المطاف!

ولِذا لم يكن الصَّليب في المسيحيّة قطّ غايةً، أو هدفاً، أو محطةً نهائيّة...

بل الصَّليب واقع في حياتنا كُلِّنا، شِئنا أم أبَينا. كُنَّا فُقراء أو أغنياء! مُلوكاً أو عبيداً! مُقتدِرين أم ضُعفاء! أصحَّاء أو مرضى. مؤمنين أو مُلحِدين. مسيحيِّين أو مُسلمين أو يهوداً أو بوذيِّين أو وثنيِّين... إنَّهُ واقع، وهو في الوقتِ نفسِه، السَّبيلُ للتَّخلُّص من هذا الواقع، والدَّعوةُ لأجل العمل على تخفيفه، ومُساعدة الآخرين في حملِهِ بكُلِّ الوسائل.

 
 

Divers