الحج في الكتاب المقدّس PDF Imprimer Envoyer

الحج في الكتاب المقدّس

الأب سميح رعد

1. مقدمة:

إن الحج أو الزيارة المقدسة هي رحلة روحية مقدسة أو سياحة مقدسة، يقصد بها المؤمنون مكانًا تقدَّسَ بظهورٍ عجائبي لله، أو حيث يرتبط بنشاط ديني معين. وهو فعل من أفعال التقديس. يبدأ منذ الانطلاق نحو مكان مقدّس. ويكون الهدف منه بحثًا عن الله، أو لقاءً به أو وفاءً لنذر أو تكفيرًا عن معصية، أو بهدف الكشف عن إرادته المقدسة في حياة المؤمن فردًا أو الجماعة. وهو في الأساس عمل جماعي وليس فرديًّا، تسير فيه الجماعة على طريق يوصل إلى المكان المقدّس مع طقوس ترافق هذه المسيرة.

الحج جزء من أجزاء العبادة في الكتاب المقدس. حاولت في هذه المقالة أن أترصد بعضًا منه في العهدين القديم والجديد، وحاولت أن أصفه كما ورد فيه.

2. الحج في العهد القديم:

كان أول ظهور لله على الأرض مع البشر، مع آدم وحواء في جنّة عدن (تكوين 2: 8)، ولكن هذا المكان لا نستطيع تحديده إذا أبعدنا عن هذا النص عن الروح القصصية الروائية التعليمية. ثاني ظهور لله على الأرض في مكان محدد جرى مع إبراهيم، يقول سفر التكوين: "واجتاز أبرام في الأرض إلى مكان شكيم إلى بلّوطة مورة. وكان الكنعانيون حينئذ في الأرض. وظهر الرب لأبرام وقال لنسلك أعطي هذه الأرض.فبنى هناك مذبحًا للرب الذي ظهر له" (تكوين 12: 66 – 7). وكان هذا أول مكان مقدّس يزوره المؤمنون للحج.

في سفر التكوين أيضًا، نجد أول حج، وكان جماعيًّا، مع يعقوب، كفعل شكر على استجابة الله لدعائه: "ثم قال الله ليعقوب قم اصعد إلى بيت إيل وأقم هناك واصنع هناك مذبحًا لله الذي ظهر لك حين هربت من وجه عيسو أخيك. فقال يعقوب لبيته ولكل من كان معه أعزلوا الآلهة الغريبة التي بينكم وتطهروا وأبدلوا ثيابكم. ولنقم ونصعد إلى بيت إيل. فأصنع هناك مذبحًا لله الذي استجاب لي في يوم ضيقتي وكان معي في الطريق الذي ذهبت فيه." (تك 35: 1 – 4).

إضافة إلى بيت إيل نجد أمكنة أخرى كان يقصدها آباء العهد القديم منها: بئر سبع، يقول سفر التكوين: "وغرس ابراهيم أثلا في بئر سبع ودعا هناك باسم الرب الاله السرمدي." (تكوين 21: 33). ونرى أيضاً مكانًا يدعى مزَارَي عُفرة وأتى ملاك الرب وجلس تحت البطمة التى في عفرة التي ليوآش الابيعزري. وابنه جدعون كان يخبط حنطة في المعصرة لكي يهربها من المديانيين. فبنى جدعون هناك مذبحا للرب ودعاه يهوه شلوم. إلى هذا اليوم لم يزل في عفرة الابيعزريين (قضاة 6: 11 و24)، كما نجد مكانًا أخر هو مزار شيلو، حيث مقر التابوت، وحيث يحتفل كل سنة بعيدٍ للرب (قضاة 21 -19). "وكان هذا الرجل يصعد من مدينته من سنة إلى سنة ليسجد ويذبح لرب الجنود في شيلوه. وكان هناك ابنا عالي حفني وفينحاس كاهنا الرب." (1 صموئيل 1: 3). وتذكر القصص القديمة اجتماعات دينية أخرى في المصفاة مثلاً (1 صموئيل 7: 5- 6) أو في الجلجال (1 صموئيل 11: 15). وأكثر مكان كان له قداسة هو الجبل المقدس في سيناء حيث أنزل الله على موسى الوصايا: "وكان جبل سيناء كله يدخّن من أجل أن الرب نزل عليه بالنار. وصعد دخانه كدخان الأتون وارتجف كل الجبل جدًا. فكان صوت البوق يزداد اشتدادًا جدًّا. وموسى يتكلم والله يجيبه بصوت ونزل الرب على جبل سيناء إلى رأس الجبل.ودعا الله موسى إلى رأس الجبل. فصعد موسى." (خروج 19: 18 – 20).

لا ننسى أنه كان يوجد معابد مختلفة في كل الأنحاء التي تواجد فيها أبناء الإيمان يتممون فيها فرائضهم الموجبة على ذكور بني إسرائيل (خروج 34: 18- 23، خروج23: 14 - 17)، وهي بمثابة مكان للحج الجماعي الصغير.

كل هذه الأمكنة من مقامات ومزارات ومعابد وغيرها كان لها قيمتها الرفيعة إلى حين أدخل داود التابوت إلى أورشليم (2 صموئيل 6). وكان المفرق المهم في تاريخ الخلاص في موضوع الحج هو بناء هيكل أورشليم على يد سليمان النبي (1 ملوك 5 إلى 8)، فأصبحت لزيارات الحج إلى أورشليم المكانة الأسمى والغالبة الأهمّية (1 ملوك 12- 27). كما أضحى الحج فرضًا وواجبًا دينيًّا له طقوسه وفرائض.

نجد في الزيارات التي مارسها آباء العهد القديم عادات مختلفة كالمسح بالزيت: "وبكّر يعقوب في الصباح وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه وأقامه عمودًا وصب زيتًا على راسه."(تكوين 28: 18). أو ممارسة تطهيرات معينة من غسل وإبدال ثياب: " فقال يعقوب لبيته ولكل من كان معه اعزلوا الآلهة الغريبة التي بينكم وتطهروا وابدلوا ثيابكم." (تكوين 35: 2) أو كانوا يقدمون مالاً: "ونذر يعقوب نذرًا قائلاً إن كان الله معي وحفظني في هذا الطريق الذي أنا سائر فيه واعطاني خبزًا لآكل وثيابًا لألبس ورجعت بسلام إلى بيت أبي، يكون الرب لي اله. وهذا الحجر الذي أقمته عمودًا يكون بيت الله وكل ما تعطيني فإني أعشّره لك." (تكوين 28: 20 – 21). كما كانت تقدمة الأضاحي مرتبطة في غالب الأحيان بالحج، نقرأ في سفر التكوين: "وذبح يعقوب ذبيحة في الجبل ودعا اخوته ليأكلوا طعاما.فأكلوا طعاما وباتوا في الجبل."(تكوين 31: 54).

3. هيكل سليمان قلب الحج وروحه في العهد القديم:

"وأرسل الملك فجمعوا إليه كل شيوخ يهوذا وأورشليم. وصعد الملك إلى بيت الرب وجميع رجال يهوذا وكل سكان أورشليم معه والكهنة والأنبياء وكل الشعب من الصغير إلى الكبير وقرأ في آذانهم كل كلام سفر الشريعة الذي وجد في بيت الرب." ( 2 ملوك 23: 1- 2). هذا ما يسميه المؤرخون إصلاح يوشيا. ألغيت الاحتفالات في المعابد المحلية وأصبح الاحتفال احتفالاً كبيرًا في أورشليم، بعيد الفصح. وكان هدف هذا الإصلاح جمع شمل الشعب أمام إلهه. وتخبرنا الكتب أنه بعد العودة من السبي، يصبح هيكل أورشليم المعبد الوحيد بلا مُنازع. وبمناسبة الأعياد السنوية الكبرى، يقصد إليه الحجاج من كل أنحاء فلسطين، وأيضاً من الشتات الذي يزداد امتداداً على مرّ التاريخ.

يرتبط بالحج إلى الهيكل المقدس مزامير الحج (المزمور من 120 إلى 134). تعبر هذه المزامير عن مشاعر السائح وإيمانه وتعلقه ببيت الرب وبالمدينة المقدسة، تشرح معنى تقواه من صلاة وسجود وطلب البركة أو رضى الله عليه. وأسمى ما يبغيه المؤمن هو الوحدة من خلال الحج الجماعي والشركة الواحدة في الصلاة.

إضافة إلى عيد الفصح كان يرتكز الحج في حياة شعب العهد القديم على عيدي الحصاد المظال.

4. الحج في العهد الجديد:

نرى يسوع عند بلوغه الاثني عشرة سنة من عمره يصعد مع أبويه إلى أورشليم، احتراماً لأمر الشريعة: "وكان أبواه يذهبان كل سنة إلى أورشليم في عيد الفصح، ولما كانت له اثنتا عشرة سنة صعدوا إلى أورشليم كعادة العيد." (لوقا 2: 41-42). إن يسوع المسيح، طوال مدة رسالته، كان يصعد إلى أورشليم بمناسبة مختلف الأعياد، يخبرنا مثلاً الإنجيلي يوحنا: "وكان فصح اليهود قريبًا فصعد يسوع إلى أورشليم." (يوحنا 2: 13)."وبعد هذا كان عيد لليهود فصعد يسوع إلى أورشليم."(5: 1).

نلمح بعض عادات كانت ترافق الحج منها الدينية كتقدمة الأضاحي في الهيكل، كما نرى تقدمة المال. وهذا النوع من الحج الزائف غير المرتبط بالروح والحق دفع بيسوع المسيح إلى طرد الباعة من أمام الهيكل.

نرى الرسول بولس مليئًا شوقًا لزيارة أورشليم بعد اهتدائه إلى المسيح، يقول كاتب أعمال الرسل: "لأن بولس عزم أن يتجاوز أفسس في البحر لئلا يعرض له أن يصرف وقتًا في أسيا.لأنه كان يسرع حتى إذا أمكنه يكون في أورشليم في يوم الخمسين." (أعمال 20: 16) وفي دفاعه أمام الوالي نسمعه يقول:"إني إذ قد علمت أنك منذ سنين كثيرة قاض لهذه الأمة احتج عما في أمري بأكثر سرور، وأنت قادر أن تعرف أنه ليس لي أكثر من إثني عشر يومًا منذ صعدت لأسجد في أورشليم." (أعمال 12: 11 - 12).

إلا أن يسوع المسيح تنبأ عن خراب الهيكل (مرقس 13: 2). ودمر الهيكل.

5. خاتمة:

إنَّ الحج المسيحي وإن كان يرتبط بخط روحي عميق مع أماكن العهد القديم، إلا أن الزيارات لها ليست إلا استذكارًا لتاريخ الخلاص المحقق بمجيء المسيح وأفعاله وتعاليمه الخلاصيّة.

تتعلُّق الكنيسة بالأمكنة الجغرافية التي عاش فيها المسيح أشدّ تعلّق، وتدعو المؤمنين إلى إقامة تجمعات كبرى فيها فتسمح لهم أن يشتركوا في وحدة الإيمان والصلاة والارتداد. وهي بذلك تحاول تذكيرهم من خلالها أننا في مسيرة نحو المسيح الذي سيأتي بمجد عظيم.

 
 

Divers